
هل تُباع الأوطان بفرمان قديم؟
بقلم خالد مراد
في خضم الحديث المتكرر عن ما يُعرف بـ«حجة وقف الأمير مصطفى عبد المنان»، يبرز سؤال لا يمكن تجاهله:
كيف امتلك شخص واحد هذه المساحات الشاسعة الممتدة عبر محافظات كاملة؟
هل اشتراها؟
هل أحياها؟
أم أنها مُنحت بفرمان من سلطة عثمانية كانت تتعامل مع البلاد باعتبارها ولاية تابعة لها؟
هنا تتوقف العقول أمام مفارقة خطيرة… فحين تمنح سلطة ما أرضًا ليست ملكًا شخصيًا لها، ثم يأتي بعد عشرات السنين من يطالب بها، فنحن لا نتحدث عن نزاع عادي، بل عن محاولة لإعادة فتح أبواب التاريخ والفوضى معًا.
والأخطر أن البعض يتعامل مع هذه الحجة وكأنها سند مطلق فوق الدولة والقانون والتاريخ.
بينما الحقيقة القانونية تقول شيئًا آخر تمامًا.
فالوقائع المصرية بتاريخ 30 يوليو 1942 نشرت القانون رقم 30 لسنة 1942 المعدل للقانونين 18 و19 لسنة 1923 الخاصين بالتسجيل، ونصت المادة المضافة بوضوح على:
«لا يُقبل بعد يوم 31 ديسمبر 1942 تسجيل المحررات التي لا تستند في إثبات تاريخها إلا إلى وجود إمضاء أو ختم فيها لإنسان توفي».
أي أن المشرّع المصري أغلق الباب منذ أكثر من 80 عامًا أمام محاولات إحياء محررات قديمة غير مستقرة قانونيًا.
وهنا يبرز السؤال الأخطر:
إذا كانت الحجة بهذه القوة، فلماذا لم يتم تسجيلها طوال تلك العقود؟
ولماذا بقيت بعيدة عن السجلات الرسمية، بينما تعاقبت الحكومات، وتأسست مؤسسات الدولة الحديثة، وتم إنشاء قوانين الشهر العقاري والسجل العيني لحماية استقرار الملكية؟
الإجابة واضحة: لأن الدولة لا تُدار بمنطق الفرمانات القديمة، ولا تُهدم سيادة الأوطان بوثائق صفراء خرجت من زمن انتهى.
ثم جاء قانون السجل العيني رقم 142 لسنة 1964 ليؤكد المبدأ نفسه: استقرار الأوضاع القانونية، وعدم العبث بملكية استقرت عليها الدولة والمواطنون لعشرات السنين.
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن:
ما الفرق بين أن تمنح قوة أجنبية أرضًا لمن لا يستحق… وبين أن يمنح سلطان أو والٍ مساحات هائلة من أرض وطن لشخص بعينه؟
في الحالتين… هناك من منح ما لا يملك، وهناك من يحاول بعد عقود فرض واقع على أصحاب الأرض الحقيقيين.
الدول الحديثة لا تُبنى على الحكايات القديمة… ولا تُدار بالختم العثماني… ولا تُهدد بوثائق خرجت من المقابر التاريخية.
وإلا فغدًا سيخرج علينا كل صاحب ورقة قديمة مطالبًا بقرية… ثم مدينة… ثم محافظة كاملة.
وحينها لن يكون الحديث عن وقف… بل عن محاولة إعادة احتلال الوطن ولكن هذه المرة بالحبر والأختام.





